موفق الدين بن عثمان

600

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

قال : فخرجت مسافرا حتى جئت إلى دينور ، فسألت عنه ، فقيل لي إنه بدكّان أبيه ، فجئت إليه ، فإذا أنا بغلام عليه هيبة ووقار ، وهو في خدمة أبيه بين يديه في الدّكّان ، وهو يعمل الصنعة ، قال : فوقفت قليلا ، فدفع له والده لحما وقال : امض بهذا إلى أمّك . قال : فأخذ اللّحم وذهب ، وقد أخذ بمجامع قلبي ، فذهبت معه ، فمرّ برجل يوقد نارا وهو يؤرّثها « 1 » بالحطب الصّغار ، ثم بعد ذلك أوقدها بالحطب الكبار ، فوقف أبو الحسن طويلا ونظر إليه ، وبكى بكاء شديدا ، فجئت إليه وقلت له : ممّ تبكى يا بنىّ ؟ فقال : « يا عم ، أما تنظر إلى ما فعل هذا الرجل وهو يوقد النار بالحطب الصّغار قبل الكبار ؟ ! فربما يكون ذلك في نار الآخرة ، وأكون أنا منهم ! فأبكانى ذلك » ، فقلت : للّه درّك ، ما أخوفك من ربّك ! وسار ، وسرت خلفه ، [ وحين سمع ] أذان المؤذّن « 2 » بالظّهر وهو يقول : « حىّ على الفلاح » قال « 3 » : لبيك داعى اللّه ، ثم ترك اللّحم ، فقلت في نفسي : أما خاف من كلب يأتي فيأخذ اللحم ؟ ثم وقفت انظر إلى ما يقع في اللحم ، فإذا أنا بكلب قد جاء مسرعا إلى أن وقف يحرس اللّحم ، فلما انقضت الصّلاة خرج وأخذ اللّحم وانصرف ، فتبعته إلى منزله ، فدخل منزلا عظيما وغاب ساعة ، ثم خرج ووجهه مشرق ، فقلت له : ما اسمك يا حبيبي ؟ فقال لي : أما تعرفني ؟ أنا أبو الحسن الذي رأيته في منامك . فقلت له : حبيبي ، مثلك من يصلح للعبادة . ثم ودّعته « 4 » وتوجهت .

--> ( 1 ) يورّثها : يوقدها ويشعلها . ( 2 ) ما بين المعقوفتين زيادة من عندنا لاستقامة المعنى . وفي « م » : « أذان المؤذنون » لا تصح بهذه الصورة . ( 3 ) في « م » : « فقال » . ( 4 ) في « م » : « دعوته » تحريف ، وما أثبتناه هو الصواب .